الذهبي
145
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
وأما العبيد فغلبوا على الصعيد ، وقطعوا السبل ، فسار إليهم ابن حمدان ، ففروا منه إلى الصعيد الأعلى ، فقصدهم وحاربهم ، فهزموه . وجاء الفَلُّ إلى القاهرة . ثم نُصِر عليهم وعظم شأنه ، واشتدت وطأته ، وصار هو الكُلّ ، فحسده أمراء الترك لكثرة استيلائه على الأموال ، وشكوه إلى الوزير ، فقوى نفوسهم عليه وقال : إنما ارتفع بكم . فعزموا على مناجزته ، فتحول إلى الجيزة ، فنهبت دوره ودور أصحابه ، وذل وانحل نظامه . فدخل في الليل إلى القائد تاج الملوك شاذي واستجار به ، وحالفه على قتل الأمير إِلْدِكْز ، والوزير الخطير . فركب إِلْدِكْز فقتل الوزير . ونجا إلدكز ، وجاء إلى المستنصر فقال : إن لم تركب وإلا هلكت أنت ونحن . فركب في السلاح ، وتسارع إليه الجند والعوام ، وعبى الجيش ، فحملوا على ابن حمدان فانكسر واستحر القتل بأصحابه ، وهرب فأتى بني سنبس ، وتبعه فل أصحابه ، فصاهر بني سنبس وتقوى بهم ، فسار الجيش لحربه ، فأراد أحد المقدمين أن يفوز بالظفر ، فناجزه بعسكره ، والتقوا فأسره ابن حمدان ، وقتل طائفة من جُنْده . ثم عدَّى إليه فرقة ثانية لم يشعروا بما تم ، فحمل عليهم ، ورفع رؤوس أولئك على الرماح ، فرعبوا وانهزموا ، وقتلت منهم مقتلة . وساق وكبس بقية العساكر ، فهزمهم ، ونهب الريف ، وقطع الميرة عن مصر في البر والبحر ، فغلت الأسعار ، وكثر الوباء إلى الغاية ، ونهبت الجند دور العامة ، وعظم الغلاء ، واشتد البلاء . قال ابن الأثير : حتى أن أهل البيت الواحد كانوا يموتون كلهم في ليلةٍ واحدة . واشتد الغلاء حتى حكي أن امرأة أكلت رغيفًا بألف دينار ، فاستبعد ذلك ، فقيل إنها باعت عروضها ، وقيمته ألف دينار ، بثلاثمائة دينار ، واشترت بها قمحًا ، وحمله الحمال على ظهره ، فنهبت الحملة في الطريق ، فنهبت هي مع الناس ، فكان الذي حصل لها رغيفاً واحداً . وجاء الخلق ما يشغلهم عن القتال ، ومات خلق من جند المستنصر ، وراسل الأتراك الذين حوله ناصر الدولة في الصلح ، فاصطلحوا على أن يكون